رفضه الملك ورعته الأم.. قصة زواج أنهى حياة الأميرة فتحية بـ«5 رصاصات» – فن

لم يعرف الاستقرار طريقه يومًا إلى البلاط الملكي في عهد الملك فاروق، فبخلاف ما مرت به مصر من أحداث سياسية عنيفة آنذاك، كانت الأسرة الملكية تعاني من حالة انقسام شديد فيما بينها، وعلى الأرجح كانت “نازلي”، الملكة الأم، طرفًا في إحداث ذلك الانقسام، فلم تكن من ذوات العقل الناضج القادر على استيعاب غيره، وإنما عاشت لاهية غارقة بين نذواتها، التي حاولت عن طريقها التملّص من مرحلة خريف العمر واختلاس نفحات الشباب المنصرف عنها.

السفر إلى مارسيليا

بوفاة زوج الملكة نازلي السري رئيس الديوان الملكي أحمد حسين، الذي كان معشوقها ومدلّلها، دبّ الحزن في نفسها، وقررت السفر إلى أوروبا، بصحبة  ابنتيها الأميرة فائقة والأميرة فتحية بطلة هذه القصة، بحجة العلاج من آلام الكُلى والبحث عن الراحة النفسية.

 

على متن باخرة ملكية، سافرت الأم وابنتاها مُتجهين إلى "مارسيليا"، أجمل موانئ فرنسا آنذاك، وسرعان ما وصل الخبر إلى القنصلية المصرية هناك التي قررت انتداب أمين المحفوظات رياض غالي، ليساعد الملكة والأميرات على تسهيل سفرهن إلى سويسرا، والعمل على راحتهن في تلك الليلة التي سيقضينها في أحد أفخم فنادق مارسيليا.

 

خرج "غالي" مبتهجًا بذلك التكليف، وذهب مسرعًا إلى ميناء مارسيليا، فوجدهن في انتظاره، لكن طريقة استقباله لهن أبهرت الملكة نازلي، التي فوجئت بجنسيته المصرية وأسلوبه البالغ الأدب في الحوار، خاصة وأن الأخير أسدل وصلات من الغزل في حق الملكة الأم، فقال لها أثناء سيره إلى جوارها باتجاه الفندق: "لقد جئت بالشمس معك إلى فرنسا يا سيدتي"، فضحكت الأخيرة متسائلة: "ألم تكن لديكم شمس؟"، فأجابها: "لقد مضت بضعة أيام دون أن نرى الشمس، وها هي تشرق مع إشراق جلالتك".

 

طلبت نازلي من مندوب السفارة إحضار حقائبها إلى الفندق البالغ عددها 36 حقيبة، وبعد أن أدخلها إلى الغرفة شكرته، وقالت له: "لقد أتعبتك اليوم"، ليبادر الآخر بإجابة يملؤها التودد والخضوع، قائلًا: "لا يا سيدتي، هذا شرف عظيم لي، لقد كنت أتمنى لو أنني حملت كل تلك الحقائب على ظهري"، متابعًا: "عشت عمري كله أحلم بأن يأتى اليوم الذي يسعده زماني فيه بتقبيل قدميك قبل يديك وأنا لا أريد شيئًا آخر في الحياة"، حسب شهادة الكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين.

الملكة تتحدى نجلها وتُبقي على مندوب القنصلية

 

بعد طلب "غالي" العودة إلى القنصلية، أصدرت الملكة الأم أوامرها بأن يسافر معهم إلى سويسرا، ورغم تخوف الأخير من عواقب ذلك، إلا أنه وافق مُحتميًا بالملكة، الذي بدأ يستخدم مواهبه لنيل إعجابها، فأخذ يتغزل بها وبشبابها ورفع معنوياتها، بعد أن فقدت زوجها الثاني.

268711

 

أصدر الملك فاروق قرارًا بعزله عن وظيفته وطالبه بالعودة إلى مصر، إلا أن الملكة الأم بعثت إلى نجلها برسالة قالت فيها: "أرغب في أن يكون رياض ضمن حاشيتي، فرياض غالي لن يموت من الجوع، فأنا سأدفع له أضعاف مرتبه ..».

بدأ "غالي" يتقرب من الأميرة الشابة "فتحية"، في وقت لم تكن تجاوزت فيه الـ 16 عامًا، واستغل حياة العزلة التي عاشتها في قصر أخيها، فأوقعها في حبه، خاصة وأن مشاعرها كانت جياشة، سرعان ما تفيض أمام كلمات الحب والهيام.

الأم تفرش طريق الموت لابنتها

 

استقر بالجميع الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا في ولاية "لوس أنجلوس"، وهناك تطورت العلاقة بين مندوب القنصلية وفتحية، حيث بدأ يسهر معها في الملاهي الليلية بموافقة الملكة نازلي، التي تعرفت هي الأخرى على رجل أعمال أقنعها ببيع بمجوهراتها لتشاركه في حقل بترول، فباعتها مقابل 3 ملايين دولار، وسرعان ما نفد حقل البترول.

 

اتهمت نازلى بأنها كانت على علاقة برياض غالى بناء على تقارير وصلت إلى الملك تفيد بحدوث بذلك، وطار عقله بعدها حينما علم بنيتها تزويجه لابنتها فتحية بعد ذلك، فبعث لها برسالة يحذرها من ذلك ويطلب منها العودة إلى مصر، لكنها رفضت بشكل قاطع، وأرسلت له قائلة: "لو أردت أن اختار بين أمومتك وبين صداقتي لرياض غالي لاخترت رياض، لأنك أثبتَّ لي في كل مناسبة أنك ولد عاق، أما رياض فقد أثبت لي أنه ولد مخلص".

أصداء الزواج في مصر

في صباح 25 مايو 1950، بدأ موظفو "فندق فيرمونت"، في تزيين قاعات الفندق بالزهور والأضواء، وقبل الساعة الخامسة بقليل، كانت جميع القاعات ممتلئة بكبار المدعوين من جميع الولايات، وتم الزواج في أجواء ملكية تملؤها البهرجة، لكن الوضع في مصر لم يكن جيدًا للملك فحسب، وإنما اشتعلت أحداث الفتنة الطائفية، لأن مندوب القنصلية المصرية "مسيحي"، تخلى عن ديانته وقت عقد قرانه على شقيقة الملك، وتفاقمت هذه الأحداث إلى أن اضطرت الحكومة إعلان حالة الطوارئ في مايو 1950.

 

وفي 12 مايو من عام 1951، قرر الملك الحجز على "نازلي"، وشقيقته "فتحية"، مع تجريدهما من مخصصاتهما وألقابهما الأميرية، فكان ذلك إيذانًا صريحًا برفع الحماية الملكية، وتركهم لقمة سائغة في فم الشاب الدخيل على "الدم الأزرق".

الشاب الوديع يكشف وجهه الحقيقي

 

حصل الزوجان على الجنسية الأمريكية بعد إنجابهما لثلاثة أبناء على أرض الولايات المتحدة، وأصبح يتردد اسم "غالي" كمستشار اقتصادي لشئؤون الشرق الأوسط يقدم خدماته للشركات الأمريكية الكبرى، إلى أن حصل على توكيل عام من «نازلي وفتحية» للتصرف باسميهما في كل ما يتصل بشئونهما المالية، فعجّل ذلك من كشفه عن وجهه الحقيقي أمامهما.

 

انقلب الشاب الوديع إلى آخر شرس، يسهر في الملاهي الليلية ويرهن ممتلكات الملكة والأميرة، ويقترض بضمانها الآلاف من الدولارات لإنقاذ استثماراته الخاسرة ولسد نفقات الحياة الأرستقراطية، وما كان جزاء الأم وابنتها سوى الطرد من بيتهم المرهون في "بيفرلى هيلز" بصحبة الأبناء الثلاثة، وتم الطلاق بعد 20 عامًا من الزواج.

 

حاولت فتحية بعد ذلك أن تدبر مأوى يضم أسرتها المشردة في بيوت المحسنين، فعملت بالتنظيف في منازل أصدقائها ولدى بعض المحلات التجارية، حتى تمكنت من استئجار شقة متواضعة في حي شعبي بمدينة "لوس أنجلوس"، وانتقلت مع أسرتها للعيش فيه لتبدأ الأوضاع الاقتصادية في التحسن التدريجى على مدار عدد من السنوات.

النهاية المأساوية

في عام 1976، فكرت مع والدتها في العودة إلى مصر خاصة بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر إلا أن اعتناقهما المسيحية كان يشكل عائقًا أمامهما وهى الديناة التى عاد إليها غالى مرة أخرى، وقبل إنهاء إجراءات السفر توجهت إلى قبرص أوًلا لتعزى أسرة "غالي" في وفاة حماتها، وقبل أن تغادر، اتصل بها طليقها يطلب منها زيارته لكي تساعده في جمع ملابس ومقتنيات والدته في حقائب لتكون جاهزة للشحن معها إلى قبرص، فاستغربت من طلبه، لكنها ذهبت بعد ساعة من المكالمة.

وقفت سيارتها  أمام منزل  "غالي"، وبعد 3 ساعات سمع مدير المبنى طلقات مكتومة ظن أنه مسلسل تليفزيوني، ولم تكتشف أسرتها حقيقة وفاتها إلا في صباح اليوم التالي، بعد أن اقتحم ابنها الشقة فوجدها جالسة في وضع القرفصاء غارقة في دمائها، وملامحها مختفية من أثر الدماء، حيث أطلق عليها طليقها 4 رصاصات في الوجه والخامسة في الرأس لتفارق الحياة على الفور، وما إن علمت والدتها بالخبر حتى أغشي عليها، فعكف الأطباء على حقنها بالمسكنات كلما أفاقت، أما "غالي" فكان غارقًا في غيبوبة بعد أن أطلق على نفسه الرصاصة السادسة، وعاش مشلولًا وأصيب بالعمى في السجن إلى أن توفى سنة 1987 عن عمر يناهز 68 عامًا.

مصدر الخبر- التحرير

اترك رد